أبو حامد الغزالي
24
محك النظر
كلّ ذلك في كتاب سمّاه ، معيار العلم . وتتابعت لديه عملية المزج فاكتملت بكتاب محكّ النظر ، وفيه إلباس المنطق حلّة إسلاميّة كاملة ، بحيث حدثت عمليّة التطعيم تماما . كان ذلك إبّان تدريسه في بغداد وقبل ارتحاله عنها عام ( 488 ه / 1096 م ) « 2 » . رافقت أزمة الغزالي الشكّيّة النفسيّة ، أزمة معرفيّة حاول أن يحلّ فيها كلّ تناقض بين عقيدتين أو موقفين تلقّاهما . فأبطل ما يخالف الدين على المستوى الطبيعيّ والإلهيّ ، وهذّب ما استطاع من المنطق . ووجد أنّ اعتناقا مزدوجا للفلسفة العقليّة وللدين يؤدّي بالفرد إلى الاضطراب المعرفيّ والنفسانيّ . فخرج بعدها بكتاب إسلاميّ الشكل والمبنى والمعنى والاستعمال ، هو القسطاس المستقيم « 3 » . وفيه تهذيب المنطق خلال الرد على الباطنيّة ودحض مقدّماتهم الجدليّة . وقد كتبه الإمام عام ( 497 ه / 1104 م ) عقب تعمّقه في المسألة المنطقيّة ، واعتصار فكره فيها ، موفّقا بينها وبين الدين الذي استخرج منه المنهج . كلّ ذلك إرضاء للقارئ المؤمن وتفهيما له . ويعتبر موقت ظهور القسطاس موقت هدوء واستقرار معرفيّ عند الشيخ . إذ كان قد وصل حينذاك إلى شيء من اليقين وثبات المعارف ، مجتازا المراحل الشكّيّة السابقة وتضارب الاتّجاهات في ذهنه . أفرد الإمام بعدها مصنّفه المشهور المستصفى من علم الأصول ، الذي ظهر عام ( 503 ه / 1109 م ) « 1 » . وفيه أرسل أصول الفقه ناضجة ، بعد أن تحرّر من كلّ تأثير أصوليّ سابق . وعمل على مزج الاجتهاد بالمنطق ، فظهرت آراؤه عقليّة محضا ، تستند على نسق قياسيّ واستدلاليّ واضح . وقد جدّد وابتكر في الكثير من المسائل وكان أن مهّد لهذا الكتاب بمقدّمة
--> ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 15 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 15 . ( 1 ) يمكن مراجعة مقدّمة الأب فكتور شلحت اليسوعي لكتاب القسطاس المستقيم ، في الحاشية ص 15 ، بيروت ، المطبعة الكاثوليكيّة ، 1959 .